محمد رأفت سعيد
231
تاريخ نزول القرآن الكريم
قوله : ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ( 3 ) [ ق ] . أي بعيد وقوعه ، وليس المراد أنه واقع بعيد زمنه . هذا قول جماعة من المفسرين منهم ابن عباس وأصحابه قال ابن عباس : يقدّم الذنب ويؤخر التوبة وقال قتادة وعكرمة : قدما قدما في معاصي الله لا ينزع عن فجوره « 1 » . وتنبه السورة المكذبين بالبعث وبيوم القيامة وما يحدث فيه فتذكر حال المكذب إذا شاهد اليوم الذي كذّب به فقال تعالى : فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ ( 7 ) وَخَسَفَ الْقَمَرُ ( 8 ) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ( 9 ) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ( 10 ) فبرق بصره أي يشخص لما يشاهده من العجائب التي كان يكذب بها وخسف القمر ذهب ضوؤه وانمحى ، وجمع الشمس والقمر ولم يجتمعا قبل ذلك بل يجمعهما الذي يجمع عظام الإنسان بعد ما فرقها البلى ومزقها ، ويجمع للإنسان يومئذ جميع عمله الذي قدمه وأخّره من خير أو شر ، ويجمع ذلك من جمع القرآن في صدر رسوله ، ويجمع المؤمنين في دار الكرامة ، فيكرم وجوههم بالنظر إليه ، ويجمع المكذبين في دار الهوان ، وهو قادر على ذلك كله كما جمع خلق الإنسان من نطفة من منىّ يمنى ثم جعله علقة مجتمعة الأجزاء بعد ما كانت نطفة متفرقة في جميع بدن الإنسان ، وكما يجمع بين الإنسان وملك الموت ويجمع بين الساق والساق ، ساق الميت أو ساق من يجهز بدنه من البشر ، ومن يجهز روحه من الملائكة ، أو تجمع عليه شدائد الدنيا والآخرة فكيف أنكر هذا الإنسان أن يجمع بينه وبين عمله وجزائه ، وأن يجمع مع بنى جنسه ليوم الجمع ، وأن يجمع عليه بين أمر الله ونهيه ، وعبوديته فلا يترك سدى مهملا معطلا لا يؤمر ولا ينهى ، ولا يثاب ولا يعاقب فلا يجمع عليه ذلك . يقول ابن القيم : فما أجمع هذه السورة لمعاني الجمع والضم وقد افتتحت بالقسم بيوم القيامة الذي يجمع الله فيه بين الأولين والآخرين ، وبالنفس اللوامة التي اجتمع فيها همومها وعمومها وإرادتها واعتقاداتها . وتضمنت ذكر المبدأ والمعاد ، والقيامة الصغرى والكبرى ، وأحوال الناس في المعاد ، وانقسام وجوههم إلى ناظرة منعمة وباسرة معذبة وتضمنت وصف الروح بأنها جسم ينتقل من مكان إلى مكان فتجمع من تفاريق البدن حتى تبلغ التراق ويقول الحاضرون : مَنْ راقٍ ( 27 ) [ القيامة ] أي من يرقى من هذه العلة التي أعيت
--> ( 1 ) التبيان في أقسام القرآن لابن قيم الجوزية ص : 94 .